منتدى طلاب مستغانم
اهلا و سهلا بكم من جديد اتمنى ان تونو بتمام الصحة و العافية


منتدى تعليمي ترفيهي يهتم بكل ما يشغل الافراد بمختلف الاعمار
 
الرئيسيةبحث اليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المدرسة الكلاسكية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المدير العام

699
تاريخ التسجيل : 01/01/2010
العمر : 28

مُساهمةموضوع: المدرسة الكلاسكية   الخميس يناير 14, 2010 11:46 am

مقدمة:
يُنظر إلى آدم سميث (1723-1790) على أنه رائد الليبرالية الاقتصادية Economic Liberalism، تلك النظرية الاقتصادية-السياسية القائلة بحرية التجارة وبأن النمو والرخاء الاقتصادي يتحققان بإتاحة حرية كاملة لكل أفراد المجتمع في تعاملاتهم الاقتصادية، وأن النظام الاقتصادي الأمثل هو نظام السوق الحر. هذه النظرة في حد ذاتها جميلة ووردية ومليئة بالنوايا الحسنة، وهي تقدم نفسها على أنها دعوة للخير العام. لكن وراء هذا الطابع الخيَّر لليبرالية الاقتصادية تكمن حقائق عالم الاقتصاد الواقعي المنقسم إلى مستغِليّن ومستغَليّن، مهيمنين وخاضعين، ملاك عناصر الإنتاج ومن لا يملكون غير سواعدهم.
في ضوء الانقسام الطبقي الحاد في العالم المعاصر، وتوسع الفروق الطبقية بين الشريحة العليا والشرائح الأدنى، وانعدام المساواة في فرص العمل، وعدم وجود سياسة عامة تضمن عملا ثابتا مستقرا وحدا أدنى للأجور وأمنا اجتماعيا وحماية من سيطرة رأس المال على حياة الناس وفرصهم في العيش، تصبح المناداة بالحرية الاقتصادية زائفة، لأنها في ظل هذا الوضع الطبقي الحاد تصبح خادمة لمصالح أولئك المتحكمين في الثروة وأدوات الإنتاج والأسواق؛ وتصير الحرية الاقتصادية حريتهم هم، أي تحررهم من الرقابة الشعبية الديمقراطية ومن القيود على ممارساتهم الاستغلالية، سواء تلك التي تضعها الدولة أو المجتمع المدني.
تريد الاحتكارات الانفراد بالمستهلكين، وترفض أن يقف أي شيء بينها وبينهم، وإذا كانت الدولة هي هذا الشيء سُمي ذلك تدخلا سافرا في الاقتصاد الحر وبيروقراطية وسلطوية، إلخ. وهذا هو المعنى الحقيقي لليبرالية الاقتصادية التي ليست سوى أيديولوجيا تحافظ على الوضع المسيطر لرأس المال العالمي واحتكاراته وتزيل من أمامه أية قيود من الدولة أو المجتمع. وفي ظل هذا المناخ الأيديولوجي المليء بالخدع والأضاليل، يُستخدم آدم سميث باعتباره سلطة فكرية تربطه الخطابة المبتذلة لليبرالية الجديدة بما تنادي به من سياسات تتلخص في التخلص من القيود السياسية والاجتماعية على أنشطة رأس المال الاحتكاري. وهكذا نرى في العقود الأخيرة من القرن العشرين عودة للاهتمام بآدم سميث وتقديمه على أنه رائد الليبرالية الاقتصادية والنظر إليه على أنه الأب الفكري لليبرالية الجديدة. تعمل هذه الليبرالية الجديدة الآن على استغلال اسم آدم سميث لإضفاء شيء من الوجاهة والاحترام والخلفية العلمية لما تنادي به من ممارسات ليست في حقيقتها سوى بلطجة، ولا تكشف عن حرية اقتصادية بل عن دكتاتورية رأس المال.
إذا عدنا إلى قراءة كتاب آدم سميث "ثروة الأمم" The Wealth of Nations( ) بعيدا عن كل التفسيرات والتأويلات والاستخدامات الأيديولوجية لهذا الكتاب، وقرأناه بعقل صاف وكأننا لم نكن نعرف عن آدم سميث شيئا، وتتبعنا أفكاره الرئيسية، فسوف نفاجأ بأن سميث بريء من الاستخدام الأيديولوجي الحالي لأفكاره؛ بل سوف نكتشف أن المعنى الحقيقي لليبرالية الاقتصادية كما تظهر في كتاب سميث نفسه مضاد تماما لما تدعو إليه الليبرالية الجديدة. ونحن بذلك نهدف إنقاذ آدم سميث من أيدي الليبراليين الجدد ووضعه في مكانه الصحيح في تاريخ علم الاقتصاد السياسي، وفهم كتابه في سياق عصره وظروف مجتمعه الإنجليزي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كاشفين بذلك عن الفرق بين تصور آدم سميث عن السوق الحر وتصور العولمة الرأسمالية عنه، إذ سيتضح لنا أنهما مناقضان لبعضهما تماما.
آدم سميث مؤسس الاقتصاد السياسي الكلاسيكي:
يُطلق مصطلح "الاقتصاد السياسي الكلاسيكي" Classical Political Economy على النظريات الاقتصادية لعدد من علماء الاقتصاد الذين ظهروا في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، وأبرزهم آدم سميث (1723-1790) وجيريمي بنتام (1748-1832) وتوماس مالتوس (1766-1834) وديفيد ريكاردو (1772-1823) وجيمس ميل (1773-1836) وإبنه جون ستيوارت ميل (1806-1873)( ).
ولم تكن أعمال هؤلاء هي أولى النظريات الاقتصادية في العصر الحديث، إذ سبقتها نظريات أخرى لمدرستين في الاقتصاد السياسي: المدرسة المركانتيلية أو التجارية Mercantilism، والمدرسة الفيزيوقراطية أو الطبيعية Physiocrats. ذهب المركانتيليون إلى أن الثروة هي تراكم الذهب والفضة، وإلى أن القيمة تتحقق من خلال التجارة، ونظروا إلى القيمة على أنها الربح التجاري. وهم بذلك كانوا يعبرون عن عصرهم الذي سمي بالعصر المركانتيلي الذي بدأ منذ القرن الخامس عشر مع الكشوف الجغرافية والمراحل الأولى من استعمار الأمريكتين. وكان من الطبيعي أن ينظر إلى الثروة على أنها ثروة نقدية نظرا لأن السائد آنذاك هو السعي الحميم نحو اكتشاف الذهب والفضة في العالم الجديد أو الاستيلاء على ما كانت تملكه حضارات الأمريكتين من كنوز وجلبها إلى أوروبا؛ بالإضافة إلى أن الربح كان بتحقق آنذاك عن طريق تجارة التوابل مع الهند وجزر الهند الشرقية، أو تجارة البن والشاي والسكر مع جزر الهند الغربية وأمريكا الجنوبية.
لكن مع أواخر القرن السابع عشر تغير النشاط الاقتصادي من مجرد اكتشاف مناجم الذهب والفضة في العالم الجديد والاستيلاء على كنوزه والحصول على المنتجات الزراعية للهند وجزر الهند الشرقية والغربية إلى ممارسة المستعمرين الأوروبيين لزراعة مثل هذه المحاصيل بأنفسهم في مستعمرات يستخدمون فيها العبيد أو العمالة الوطنية لكل منطقة. وبذلك اتضح أن الأرض هي المصدر الحقيقي للثروة، بما أن الثروة قد أصبح ينظر إليها على أنها منتجات زراعية ومحاصيل نقدية، أما الذهب والفضة فقد أصبحا مجرد تعبير نقدي عن قيمة الثروة التي تنتجها الأرض. وهنا ظهرت مدرسة الفيزيوقراط التي كانت تعبر هي الأخرى عن عصرها، ذلك العصر الممتد من منتصف القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر، وهو العصر الذي شهد استصلاح الأراضي الشاسعة للأمريكتين لحساب المحاصيل النقدية التي يتاجر بها الأوروبيون. ويعني مصطلح "الفيزيوقراطية" Physiocracy حكم الطبيعة، أي تحديد الطبيعة للثروة من حيث أنواعها وكمياتها وبالتالي تحديدها لأنماط معيشة الإنسان، وبذلك ظهرت فكرة الحتمية الاقتصادية في شكل حتمية طبيعية على يد هذه المدرسة.
ولم يظهر الاقتصاد السياسي الكلاسيكي إلا على يد آدم سميث الذي اختلف عن المركانتيليين والفيزيوقراط معا بذهابه إلى أن المصدر الأساسي للثروة ليس التجارة أو الأرض بل العمل، لأن التجارة تتعامل في سلع جاهزة مزروعة أو منتجة مسبقا قبل أن تتم المتاجرة بها، كما أن الأرض ليست هي المصدر الأساسي للثروة عند سميث، لأن الأرض لا تنتج خيراتها من ذاتها تلقائيا بل تحتاج إلى من يزرعها. وظهر العمل عند سميث Labour باعتباره المصدر الأساسي للثروة، ذلك الذي يزرع الأرض وينتج سلعا. ومع آدم سميث اختفت نظريات المركانتيليين والفيزيوقراط، وبدلا من التجارة أو الذهب والفضة أو الأرض، ظهر العمل على أنه المصدر الأساسي والوحيد للثروة بما أنه هو منتج الثروة.
وذهب سميث في كتابه "ثروة الأمم"(1776) إلى أن ثروة كل أمة تقاس بقدرتها الإنتاجية وبحجم إنتاجها من السلع بكافة أنواعها، وأصبح مقياس الثروة لديه هو إنتاجية العمل التي تتضاعف أضعافا كثيرة إذا ما تم تقسيم العمل بحيث يظهر التخصص في كل عمل جزئي، إذ يتم تقسيم عملية العمل الواحدة إلى أجزاء بسيطة يتخصص كل عامل في أداء جزء منها مما يزيد من إنتاجية مجموعة العمال ككل، وبدلا من أن يقوم العامل الواحد بأداء كل أجزاء عملية العمل الأمر الذي لا يمكنه إلا من إنتاج عدد قليل من الوحدات على مدار اليوم، تقوم مجموعة العمال بتقسيم العمل فيما بينها وتزيد بذلك من إنتاجيتها المشتركة أضعافا( ).
كانت تلك هي الفكرة الأساسية التي سار على هديها الاقتصاد السياسي بعد آدم سميث وتبعه فيها أبرز أعلامه مثل ريكاردو وجيمس ميل وجون ستيوارت ميل. وكما كان المركانتيليون والفيزيوقراط معبرين عن عصريهما، عبر الاقتصاد السياسي الكلاسيكي عن عصره أيضا، ذلك العصر الذي شهد الثورة الصناعية في إنجلترا وانتشارها ببطء عبر أوروبا الغربية. ففي عصر الثورة الصناعية كان من الطبيعي والمنطقي أن يظهر العمل على أنه مصدر الثروة والقيمة. والحقيقة أن كل مدرسة لم تكن مجرد تعبير عن النشاط الاقتصادي السائد في عصرها، بل كانت أيضا تعبيرا عن الطبقة الاقتصادية الرائدة في ذلك العصر، إذ كان المركانتيليون معبرين عن التجار ومدافعين عن مصالحهم، وكان الفيزيوقراط معبرين عن أصحاب الملكيات العقارية وملاك الأراضي ومستعمري العالم الجديد الذين انشغلوا بزراعة مساحات قارية شاسعة هناك، وكان الاقتصاد السياسي الكلاسيكي معبرا عن الصناعيين الجدد ورواد الصناعة الحديثة. وهنا يصدق قول ماركس أن الأفكار السائدة في كل عصر هي أفكار الطبقة السائدة في ذلك العصر.
العمل المنتج والعمل غير المنتج:
كان الاقتصاد السياسي الكلاسيكي ثوريا في بداية ظهوره، ذلك لأنه أرجع مصدر القيمة إلى العمل وبذلك كان نصيرا للصناعيين الجدد ومشجعا الثورة الصناعية حديثة المولد، ورفض أن تكون التجارة مصدرا للقيمة وبالتالي واجه المصالح التجارية للتجار ونادى بحرية التجارة وإلغاء القيود التجارية والحمائية للعصر المركانتيلي؛ كما واجه الأرستقراطية العقارية بحجة أن الأرض ليست أساس القيمة بل العمل المنشغل في زراعتها وفي إنتاج السلع؛ وميز بين العمل المنتج والعمل غير المنتج، وذهب إلى أن العمل المنتج هو الذي ينتج سلعا ذات منافع استعمالية ويضيف إلى ثروة الأمة، وأنكر على الأرستقراطية العقارية الأرباح التي تحصل عليها في صورة إيجار عقاري Land Rent من مجرد ملكيتها للأرض دون الانشغال بعمل حقيقي منتج؛ ونادى بأن تتحمل تلك الطبقة أعلى عبء ضريببي وبأن تُفرض على التركات العقارية نسبة عالية من الضرائب، بل ووصل به الحد إلى المطالبة بأن تعود إلى الدولة نسبة كبيرة من الثروات العقارية الموروثة.
السعر والربح والمنافسة:
ميز سميث بين السعر الطبيعي Natural Price والسعر غير الطبيعي أو الاحتكاري Monopoly Price للسلعة. وذهب إلى أن السعر الطبيعي للسلعة هو مجموع تكاليف إنتاجها والإيجار العقاري للأرض التي تم الإنتاج عليها والربح على رأس المال المستخدم (Smith, P.48) ، وأي زيادة في هذا السعر هي زيادة غير طبيعية. ومن بين الأسباب التي يذكرها سميث لهذه الزيادة في السعر:
1) عندما يرتفع الطلب على سلعة ما فإن الأرباح التي يمكن أن يحققها رأس المال المستثمر في إنتاجها تزيد، لكن يعتم المنتجون على هذه الحقيقة بأن يخفوا عن الجمهور هذا الارتفاع كي يضمنوا لأنفسهم بيعا موسعا ناتجا عن ارتفاع الطلب، وكي يمنعوا المنافسين الآخرين من أن يدخلوا في إنتاج تلك السلعة التي عليها طلب متزايد، لأن تزاحم رؤوس الأموال المستثمرة في إنتاج هذه السلعة سوف يقلل أرباحهم (Smith, P.53) . يكشف سميث بذلك عن أول تلاعب في السوق، وأول صورة من صور التلاعب عن طريق إخفاء حجم الطلب الحقيقي عن المنافسين. ويعد هذا الإخفاء سرا من أسرار الأعمال Business Secrets تحتفظ به الأطراف المنشغلة بالتجارة. إن ارتفاع الطلب على سلعة ما يؤدي إلى الإقلال من سعرها، وهذه هي مصلحة الجمهور، لكن إقلال السعر ليس من مصلحة التجار، وبالتالي فإن الاتجاه الطبيعي نحو الإقلال من السعر تعوقه وتقف في طريقه الممارسات الاحتكارية للتجار. أما حرية السوق عند سميث فهي مفهومة في مقابل هذها الممارسات بالضبط، أي باعتبارها إتاحة المعلومات الخاصة بالطلب الحقيقي أمام الجميع، وهو ما يعني نوعا من الشفافية منعا للاتجاه الطبيعي للتجار نحو التعتيم على مصادر أرباحهم.
2) وكما أن للأعمال أسرارها فإن للصناعة أسرارها أيضا عند سميث. فعندما يكتشف منتج ما أسلوبا جديدا في الإقلال من تكاليف إنتاجه، سواء آلة جديدة أو طريقة جديدة لمعالجة المواد الخام توفر من العمل والوقت اللازم لإنتاجها، يحتفظ المنتج بهذا الاكتشاف لنفسه باعتباره حقا خاصا له، وباعتباره من أسرار الصناعة كي يتمكن من الاستمرار في الإنتاج بتكاليف أقل تمكنه من البيع الأكثر ربحا (Smith, P.53) . والحقيقة أن هذه هي الصورة الأولى لحقوق الملكية الفكرية التي تستخدم الآن لاحتكار المؤسسات الصناعية في الغرب للعلم والتكنولوجيا وحجبهما عن بقية العالم.
3) عند منح الدولة لامتيازات احتكارية لفرد أو لشركة ينزع الاحتكار تلقائيا نحو التحكم في الإنتاج بحيث لا يخضع هذا المنتج الاحتكاري لقوانين العرض والطلب التي تؤدي إلى الإقلال من سعر السلعة التي عليها طلب متزايد. وعلى العكس، يحبس المنتج الاحتكاري إنتاجه بحيث لا يستجيب لحجم الطلب القائم كي يتمكن من بيع إنتاجه بسعر أعلى من الذي يمكن أن يوفره حجم الطلب الحقيقي، ويسلك كما لو أن هناك ضعفا في الطلب ويرفع السعر؛ وهو يستطيع القيام بذلك بسهولة لأنه سيطر على السوق (Smith, P.54).
وتحت عنوان "أرباح رأس المال" Profits of Stock يذهب سميث إلى أن الأرباح تزيد كلما قل أجر العمال، ويلاحظ أن رأس المال الإنجليزي العامل في البنغال وباقي مناطق الهند الخاضعة للإنجليز يحوز على أكبر ربح وبالتالي أكبر فائدة في العالم كله، لأن أجور العمال هناك هي الأقل في العالم، وما يمكن أصحاب رؤوس الأموال من دفع الحد الأدنى للعمال في هذه المناطق أن تكاليف إعاشة العمال فيها هي الأدنى على مستوى العالم، وكلما قلت تكاليف إعادة إنتاج القوة العاملة كلما استطاع رأس المال تحقيق ربح أكبر. سميث هو أول من يلاحظ ظاهرة الاستغلال الاستعماري ويكشف عن جذورها الاقتصادية، وكذلك عن ظاهرة التناقض بين رأس المال والعمل المأجور قبل ريكاردو وماركس (Smith, P.83-84) .
ويجب أن نلاحظ أن الأرباح التي يتكلم عنها سميث هنا هي أرباح شركة الهند الشرقية صاحبة احتكار التجارة مع الهند والبنغال وجزر الهند الشرقية آنذاك، وبالتالي فإن الأرباح التي يقصدها سميث هنا هي أرباح احتكارية بالدرجة الأولى، ذلك لأن وقوع كل عمالة الهند وجزر الهند الشرقية تحت رحمة شركة واحدة لا شك يؤدي إلى الاستغلال الذي يشير إليه سميث. ولم يكن سميث يعترض على ظاهرة الاستعمار في حد ذاتها بل على إعطاء حق احتكاري لشركة واحدة في العمل والتجارة في المستعمرات. ويحذرنا سميث من بعيد من أن الربح المتحقق من قبل احتكارات من هذا النوع ليس ربحا حقيقيا أبدا بل هو ربح زائف مصطنع نتيجة الاحتكار، أما الربح الحقيقي عنده فهو الذي يتحقق من خلال المنافسة الحرة. ومعنى ذلك أن أرباح شركة الهند الشرقية الإنجليزية لا تعبر عن الربح الحقيقي الذي توفره التجارة مع الهند في ظل ظروف حرية التجارة. والحقيقة أن كل هذه الاعتبارات دفعت سميث لإنكار الحق الاحتكاري لشركة الهند الشرقية وإبداء انزعاجه من تأثير مديريها وحملة الأسهم فيها على الحكومة البريطانية، ذلك التأثير الذي يشبه تأثير اللوبي الآن، وتقديم اقتراحه الشهير الذي كان الأول من نوعه في التاريخ بأن تؤول إدارة شركة الهند الشرقية للحكومة البريطانية. وكان سميث بذلك سابقا على كينـز في محاولة علاج سلبيات النظام الرأسمالي عن طريق تدخل الدولة لإصلاح ما أفسدته الاحتكارات ولشراء الحكومة للشركات الخاسرة بهدف إنقاذها من الانهيار.
مصادر الدخل الثلاثة ونظرية الطبقات:
وضع آدم سميث العمل باعتباره مصدر كل قيمة وأساس كل ثروة. وبالإضافة إلى ذلك فهو لم يتجاهل الموضوعات التي يشتغل عليها العمل؛ فكي يكون العمل منتجا يجب أن يمارس على مادة خام، ويجب أن يجد المال اللازم لتشغيله. وبالتالي وضع سميث عناصر الإنتاج في العمل والأرض ورأس المال، والذي أطلق عليه كلمة Stock في أحيان( )، وكلمة Capital في أحيان أخرى( ). واحتفظ الاقتصاديون الكلاسيك من بعده بنفس هذا التقسيم. وبذلك استطاع سميث أن يدمج في نظريته المبدأ الفيزيوقراطي القائل أن الأرض هي مصدر الثروة؛ صحيح أنها مصدر الثروة لكنها ليست صانعة الثروة، فالعمل وحده هو صانع الثروة؛ وبذلك أصبحت الأرض في نظرية سميث مصدر المواد الخام التي يشتغل عليها العمل، ومن هذه الجهة أصبحت عنصرا واحدا من عناصر الإنتاج الثلاث.
وعلى أساس عناصر الإنتاج الثلاث قام الاقتصاديون الكلاسيك بتوزيع فئات المجتمع عليها حسب ملكية كل فئة لعنصر منها؛ فالعمل ملكية العمال، والأرض ملكية الأرستقراطية العقارية، ورأس المال ملكية رجال الصناعة والرأسماليين. وتستقبل كل طبقة من الطبقات الثلاث نوعا من الدخل محددا عن طريق العنصر الإنتاجي الذي تملكه؛ فالعمل يتلقى دخلا في صورة أجور Wages، وملاك الأراضي يتلقون دخلا في صورة إيجار عقاري Rent/Land Rent، ورجال الصناعة يتلقون دخلا في صورة ربح Profit. وذهب الكلاسيك إلى إقامة نظرية اجتماعية على أساس هذا التقسيم الثلاثي لعناصر الإنتاج، وتم تناول المجتمع من منطلق الطبقات المكونة له والمالكة لعناصر الإنتاج الثلاث، وظهرت معالجة علمية للمجتمع على أساس الأنشطة الإنتاجية والاقتصادية التي تقوم بها فئاته. لقد كان الجانب الاجتماعي من نظريات الاقتصاد الكلاسيكي هو أول معالجة علمية للمجتمع في العصر الحديث.
ولم يكتف الاقتصاديون الكلاسيك بذلك، بل رصدوا تعارضا للمصالح بين هذا التقسيم الثلاثي لطبقات المجتمع؛ إذ ركز آدم سميث على تعارض مصالح التجار مع الفئات المنتجة في المجتمع، لأن التجار لا يضيفون قيمة جديدة على ما يتعاملون فيه من سلع، وأرباحهم ليست إلا مزايدة على السعر الحقيقي للسلعة الذي هو عند سميث سعر إنتاجها وما تحتويه من مادة خام والربح المستحق على رأس المال المستخدم؛ بل وهاجم سميث المصالح التجارية لأنها تسعى دائما نحو الاحتكار والحصول على امتيازات خاصة من الدولة، ولا تعبر الأسعار التجارية للسلع عن قيمتها الحقيقية أبدا. أما ديفيد ريكاردو فقد ركز على تعارض المصالح بين الأرستقراطية العقارية والطبقتين الأخرتين، لأن ملاك الأراضي لا ينشغلون في عمل إنتاجي حقيقي، وما يتلقونه من إيجار ليس إلا نتاج العمل المبذول في زراعة الأرض ورأس المال المستثمر فيها؛ ووصل الحد بريكاردو إلى أن ذهب إلى أن الأرستقراطية العقارية ليس لها مكان في العصر الصناعي، لأن هذا العصر هو عصر رأس المال والعمل فقط، أما الأرستقراطية العقارية فليست إلا من بقايا الإقطاع.
تطور نظرية الطبقات بعد سميث:
كان اكتشاف الاقتصاديين الكلاسيك لتعارض المصالح بين الطبقات المختلفة هو البدايات الأولى لمفهوم الصراع الطبقي الذي سيتطور على يد كارل ماركس؛ وتبقى للاقتصاديين الكلاسيك مأثرة اكتشافهم الأول لنعارض المصالح بين الطبقات؛ ولهذا السبب كان اقتصادهم السياسي علميا، لأنهم عندما لاحظوا تناقضا اجتماعيا لم يتجاهلوه أو يعتموا عليه كما سيفعل الاقتصاديون المبتذلون بعد 1830 والاقتصاديون النيوكلاسيك ابتداء من 1871وحتى الآن، بل وضعوا أيديهم عليه ورصدوه بدقة.
والحقيقة أن الاقتصاديين الكلاسيك كانوا مناصرين للعصر الصناعي الجديد وللصناعيين الجدد، ولذلك كانوا يواجهون كل ما يتعارض مع مصالح هؤلاء الصناعيين الجدد من أرستقراطية عقارية واحتكارات تجارية؛ بل وقدموا توصيات ثورية لإزالة العقبات أمام التطور الصناعي وإزالة القيود عن طريق رجال الصناعة. إذ أوصى سميث بأن تؤول إدارة شركة الهند الشرقية وباقي الشركات الشبيهة إلى الحكومة البريطانية( )، وأوصى ريكاردو بأن يتحمل ملاك الأراضي أعلى عبء ضريبي وبأن تفرض عليهم ضرائب تصاعدية حسب ثروة كل منهم بحيث يدفع الأغنى ضرائب أكثر، ووصل به الحد إلى التوصية بأن تؤول إلى الدولة نسبة كبيرة من الثروات العقارية الموروثة. وكان هذا سبب ثوريتهم والطابع العلمي الدقيق لعملهم؛ لكنه كان نفس السبب الذي حول أتباعهم من بعدهم إلى مجرد مدافعين أيديولوجيين عن الرأسمالية، ذلك لأنه عندما بدأ تعارض جديد للمصالح يظهر بين رأس المال والعمل المأجور، عتم عليه أتباع الكلاسيك من الجيل الثاني وتجاهلوه، ووجدوا أنفسهم أمام خيار من اثنين، إما يدافعون عن رأس المال في مواجهة العمل، أو يدافعون عن العمل في مواجهة رأس المال، وقد اختاروا الخيار الأول.
اكتشف ريكاردو أن التقسيم الثلاثي لعناصر الإنتاج إلى العمل والأرض ورأس المال يختزل في الواقع إلى تقسيم ثنائي بين العمل ورأس المال؛ واكتشف أيضا كيف أن هناك تناقضا في المصالح بين أصحاب قوة العمل وأصحاب رأس المال( ). والتقط الاقتصاديون بعد ريكاردو هذا الخيط (تعبيرا عن مصالح سياسية) وأخذوا يدافعون عن طبقة الرأسماليين في مواجهة مصالح العمال، حتى خرج الاقتصاد السياسي على أياديهم عن طابعه العلمي وأصبح مجرد أيديولوجيا مبررة للرأسمالية. وظهرت آنذاك (النصف الأول من القرن التاسع عشر) التنظيمات العمالية والحركات والأفكار الاشتراكية التي تشكك في أحقية الرأسماليين في امتلاك وسائل الإنتاج وإدارة الصناعة والسيطرة عليها، مما دفع علماء الاقتصاد بعد ريكاردو نحو المزيد من التبرير للرأسمالية، فأصبح علمهم مجرد "اعتذارية" Apology يغطون بها على شرور النظام الجديد ويعتمون على سلبياته، وهؤلاء هم من أسماهم ماركس "الاقتصاديون المبتذلون" Vulgar Economists.
ولم يكن كل علماء الاقتصاد بعد ريكاردو من الاقتصاديين المبتذلين، بل نشأت عن ريكاردو مدرسة تسمى بالاشتراكية الريكاردية، تعتمد على أفكار ريكاردو حول العمل باعتباره المنتج الرئيسي للقيمة وأحقيته في كامل ما ينتجه، واتجهت هذه المدرسة نحو الدعاية لسياسة تدخلية قوية في الاقتصاد من قبل الدولة لتنظيمه ولإحداث شئ من العدالة في توزيع الثروة؛ وكانت هذه المدرسة سابقة على أفكار جون مينارد كينـز حول دولة الرفاهية؛ بل يذهب البعض إلى أن أفكار كينـز نفسه مستوحاة من الاشتراكيين الريكارديين.ولا شك أن اكتشاف ريكاردو لتعارض المصالح بين العمل ورأس المال كان قمة النضوج الفكري والعلمي للاقتصاد السياسي الكلاسيكي. ولم يكتف ريكاردو بذلك، بل لاحظ أن رأس المال نفسه نتيجة لعمل سابق متراكم، وأن رأس المال الثابت ما هو إلا تراكم للأرباح المتحصلة من عمل سابق، وكانت هذه الأفكار هي بداية الاتجاه نحو اختزال رأس المال إلى العمل والذي اتضح بقوة لدى الاشتراكيين الريكارديين والذي سيطوره كارل ماركس بعدهم.
على الرغم من أن الاقتصاد السياسي احتوى على نظرية في الطبقات، إلا أنه نظر إلى الطبقات من منظور اقتصادي بحت جعلها تبدو كما لو أنها تنشأ بصورة طبيعية ووفق مقتضيات اقتصادية لا طبقات اجتماعية منشأها اجتماعي. لقد اكتشف الاقتصاد الكلاسيكي الطبقات في سياق بحثه في عناصر الإنتاج الثلاثة: الأرض والعمل ورأس المال؛ وبحث عن ملاك هذه العناصر ووجد أن الأرض ملكية الملاك العقاريين، وهم بقايا الإقطاع والأستقراطية، والعمل ملكية الطبقة العاملة، ورأس المال ملكية البورجوازية بكافة أنواعها؛ وذهب إلى أن عناصر الإنتاج الثلاثة هذه هي ما ينتج تلقائيا الطبقات الاجتماعية الثلاثة( )، وكأن تقسيم المجتمع إلى هذه الطبقات نتيجة طبيعية لانقسام الإنتاج إلى هذه العناصر الثلاثة، وبذلك عامل الطبقات على أنها تنشأ من الطبيعة ومن الحتمية الاقتصادية لمتطلبات الإنتاج. كان الاقتصاد السياسي الكلاسيكي هو صاحب فكرة الحتمية الاقتصادية والواضع الحقيقي لها، وليس ماركس كما يذهب الفهم الشائع.
حرية التجارة:
وضع سميث يده على الظاهرة التي بدأت تتضح وتفرض نفسها بقوة في عصره وهي ظاهرة الاعتماد المتبادل بين كل أقطار العالم، والتي يطلق عليها الآن اسم "العولمة"؛ إذ يلاحظ سميث أن الفضة المستخرجة من أمريكا الشمالية تجد أكبر سوق لها في الهند، نظرا لضخامة حجم التجارة مع الهند وبالتالي احتياج هذه التجارة للنقود الفضية كوسيط للتبادل وأداة للدفع؛ وأوروبا بالطبع هي التي تنقل فضة أمريكا الشمالية للهند، لا من الطريق البحري وحسب، بل من البر عبر روسيا وسيبيريا حتى بيكين في الصين ومنها إلى الهند (P.186-187) . كما يذهب إلى أن أوروبا الغربية هي أكبر مستهلك في العالم للشاي والتوابل الهندية وللسكر المنتج من مزارع القصب في جزر الهند الغربية، ويلاحظ أن صناعة السكر هناك تحتوي على استثمارات أسبانية وبرتغالية وفرنسية وتشغل أيدي عاملة وطنية، أما الأسطول التجاري الذي ينقل السكر إلى أوروبا فهو الأسطول الإنجليزي بجانب بعض القراصنة الفرنسيين.
سميث أيضا يلاحظ أن المنافسة تنـزع دائما نحو إحداث مساواة في معدل الربح ومعدل الفائدة، أما معدلات الربح العالية فلا يمكن تحقيقها إلا بمنح امتيازات خاصة لشركات معينة تتمكن بها من احتكار التجارة والأعمال في منطقة ما (P.109) . ويذهب سميث إلى أن الصراعات الإنجليزية والفرنسية في المستعمرات سببها إعطاء كل من انجلترا وفرنسا امتيازات احتكارية قصرية وحصرية لشركات بعينها في تلك المستعمرات، بحيث يدفع التنافس بين هذه الشركات إلى الاستعانة بالقوة العسكرية لحسم التنافس لصالح إحدى الشركات. ويلمح سميث إلى أن حرية التجارة والحرية الاقتصادية بوجه عام هي السبيل نحو إقامة سلام عالمي، ذلك لأن الاحتكارات التجارية هي السبب الرئيسي في الصراعات المسلحة بين القوى الأوروبية في المستعمرات، أما إتاحة الحرية المطلفة للتجارة أمام الجميع فسوف يحل التنافس الشريف محل الصراع الاستعماري. وكانت فكرة سميث هذه هي التي التقطها منه كانط وأسس عليها كتابه "مشروع للسلام الدائم". ولأول مرة في تاريخ العلم الاقتصادي نجد لدى سميث ربطا بين حرية التجارة والنـزعة الكوزموبوليتانية والسلام العالمي. ويستمر المدافعون عن العولمة الآن في التركيز على نفس هذا الرابط المنطقي بين هذه الأفكار، مركزين على أن الحرية الاقتصادية هي السبيل نحو القضاء على الصراعات وتوحيد العالم، لكنهم يعتمون على الحقيقة المؤلمة أن الحرية الاقتصادية التي يقصدونها هي حرية الاحتكارات عابرة القوميات في العمل أينما شاءت وكيفما شاءت دون قيود، وأن السلام العالمي الذي يقصدونه هو في حقيقته أمنا عالميا لرأس المال، وأن توحيد العالم الذي يقصدونه هو توحيده تحت راية رأس المال العالمي.
لم يفهم الكثيرون معنى دعوة سميث لحرية التجارة، إذ يجب أن تفهم تلك الدعوة من داخل سياق كتابه "ثروة الأمم" وفي سياق عصره. إن دعوة سميث لحرية التجارة كانت مقامة في وجه الشركات التجارية التي كانت تحتكر التجارة مع المستعمرات في الهند وجزر الهند الشرقية والعالم الجديد وأهمها شركة الهند الشرقية. ذهب سميث إلى أن أرباح مثل هذه الشركات تذهب لأصحابها فقط، وهاجم الامتيازات التجارية الحاصلة عليها والتي تجعلها توجه التجارة لصالحها الخاص، وذهب إلى أن الاحتكارات التجارية لهذه الشركات تقلل الكفاءة والقدرة الإنتاجية للمستعمرات وتشكل عائقا أمام الانتقال الحر للسلع بين المستعمرات والدولة الأم( ). إن المعنى الحقيقي لحرية التجارة عند سميث هو مواجهة احتكار الشركات لتجارة المستعمرات؛ كما نادى سميث بأن تُلغى كل الامتيازات التجارية لهذه الشركات وبأن تُفتح التجارة دون قيود بين المستعمرات وبعضها وبينها وبين الدول الأوروبية، وكان في ذلك المنادي الأول بالعولمة، التي عرفها عصره تحت مصطلح "الكوزموبوليتانية" Cosmopolitanism. بل ووصل به الحد إلى أن نادى بأن تؤول إدارة شركة الهند الشرقية إلى الدولة الإنجليزية كي تكون أنشطتها خاضعة للرقابة الديمقراطية والبرلمانية وتسري عليها أحكام الدستور والقوانين الإنجليزية باعتبار الشركة من مرافق الدولة( ). لقد كان سميث هو المنادي الأول بالتأميم في نفس الوقت الذي كان مناديا فيه بحرية التجارة والليبرالية الاقتصادية. ولم يكن هناك أي تناقض بين الجانبين لدى سميث؛ إذ كان يتبنى فلسفة تنويرية تذهب إلى أن الحرية في حاجة إلى ضمانات سياسية كي تتحقق وتُصان.
في عصر الاحتكارات التجارية للشركات التي تستحوذ على أرباح تجارة المستعمرات، تصبح الدعوة لحرية التجارة دعوة ثورية مقامة في وجه هذه الشركات بالذات؛ وقد وصف سميث صراحة هذه الشركات بأنها "احتكارات" Monopolies ( ). وما أشبه اليوم بالأمس؛ إن الاحتكارات هي المسيطرة على الاقتصاد العالمي الآن، والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقوميات هي المستحوذة على التجارة العالمية حاليا، والمفارقة تتمثل في أن مبدأ حرية التجارة الذي تنادي به هذه الشركات الآن كان مقاما من قِبَل آدم سميث الأب الأول لليبرالية الاقتصادية في مواجهة احتكارات مثيلة في عصره. إن حرية التجارة التي تنادي بها هذه الشركات هي حريتها هي في التجارة لا حرية آخرين غيرها. لكن من طبيعة الفكر الأيديولوجي أن يستخدم أفكارا سابقة كانت مقامة في سياق معين وسحبها من هذا السياق لتبرير الممارسات الاحتكارية الحالية؛ ومن طبيعته أن يقلب الحق باطلا ويجعل المبادئ خادمة لأغراضه حتى لو كانت هذه المبادئ هادمة لسيطرته ذاتها؛ وهو لا يعلم أن تلك المبادئ تسير عكس نواياه وتنادي بعكس ما يمارسه. وفي التحليل الأخير فقد تم قلب مبادئ حرية التجارة والليبرالية الاقتصادي من مواجهة للاحتكارات إلى الدفاع عنها.
كان مضمون ليبرالية آدم سميث الاقتصادية ينطوي على سياسات أشار إليها بوضوح في كتابه، ومن بينها إنهاء احتكار تجارة المستعمرات من قبل الدول الاستعمارية، أي ألا تمنع أي دولة مستعمرة لمنطقة من العالم الدول الأخرى من الاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية والتجارية لهذه المنطقة. لاحظ أن سميث لا يوصي بذلك بالتخلي عن الاستعمار، أو بتحرير المستعمرات وردها إلى أهلها الأصليين، بل بمجرد إنهاء احتكار كل دولة استعمارية لمستعمراتها؛ ومعنى ذلك أن يصبح مجموع المستعمرات مفتوحا ومتاحا أمام مجموع القوى الاستعمارية. وبهذه الطريقة يرى سميث أن الحروب بين الدول الاستعمارية والصراعات المسلحة بينها سوف تنتهي، وبذلك أشار إلى إمكانية سلام عالمي.لقد كان سميث يوصي بأن تصبح المستعمرات سوقا مشتركا بين كل القوى الاستعمارية-وهذا هو المعنى الحقيقي للسوق الحر العالمي لديه والذي يعد الأساس الحقيقي لفكرة العولمة التي يتم الدعوة إليها الآن على أنها سوق حر عالمي- بحيث تكون القوة الاستعمارية الأكبر، أي الأكفأ والأقدر على المنافسة بتعبير سميث، هي الأنجح في المستعمرات. ولا شك أن هذه السياسة كانت مفيدة لبريطانيا في عصر سميث، لأن بريطانيا آنذاك كانت قادرة بالفعل على منافسة القوى الاستعمارية الأخرى في مستعمراتها. إن آدم سميث لم يكن ليدعو أبدا إلى أي سياسة مضادة لمصالح بريطانيا. لقد كان المضمون الحقيقي لسياساته الليبرالية فيما يخص المستعمرات أن يتيح لبريطانيا حرية العمل في مستعمرات القوى الأوروبية الأخرى، وكان مطمئنا إلى أن هذه القوى الأخرى لن تستطيع منافسة بريطانيا في مستعمراتها هي؛ وبذلك نرى كيف أن السياسات الليبرالية الاقتصادية تصدر دائما من القوي اقتصاديا بهدف منحه حرية للحركة.
وعلى الرغم من أن توصيات سميث هذه قد وضعها في الربع الأخير من القرن الثامن عشر (1776) ، والذي كان تاريخا مبكرا في السيطرة الرأسمالية على العالم، إلا أن العالم قد شهد طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، لا تطبيقا لتوصيات سميث بل ممارسات هي على العكس منها تماما، لأن هذه الفترة هي فترة المد الاستعماري الأوروربي حول العالم واستيعابه لكل أقطار العالم وتقسيمها بين الدول الاستعمارية؛ فبدلا من فتح للمستعمرات أمام مجموع القوى الاستعمارية شهدنا عمليات تقسيم وإعادة تقسيم عديدة للمستعمرات. والحقيقة أن ما أوصى به سميث لم يبدأ في التحقق إلا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كانت أكبر حرب بين القوى الأوروبية للسيطرة على العالم. عندما أنهكت القوى الأوروبية نفسها واستنـزفت قواها في حربين عالميتين في صراع استعماري، استطاعت مستعمراتها الحصول على الاستقلال. وعندئذ فقط ظهر اقتراح سميث من جديد بأن تكون كل المستعمرات متاحة أمام كل القوى الاستعمارية. لم يكن لتوصية سميث أن تتحقق إلا بأن تحطم القوى الاستعمارية بعضها البعض في حرب عالمية. لكن النظام العالمي الجديد الذي ظهر من جراء ذلك ليس نظاما من الدول الحرة المستقلة بل نظام استعماري جديد أو إمبريالية جديدة، ليست ممارسة من قبل دولة معينة على منطقة معينة من العالم، بل من قبل كل الدول الاستعمارية السابقة على كل المستعمرات السابقة دون تحديد لأي من الطرفين. وعندئذ فقط تحققت توصية آدم سميث.
إننا نحن أبناء المستعمرات السابقة ننظر إلى الاستقلال عن الاستعمار القديم على أنه نيل للحرية وتحقيق للإرادة الوطنية، لكن من وجهة نظر الدول الاستعمارية، ومن وجهة نظر الاقتصاد السياسي الدولي، لم يكن ما حدث تحريرا كاملا، بل فتحا للمستعمرات السابقة أمام المنافسة الدولية بين كل القوى الإمبريالية في العالم، منافسة لم تصل إلى حد الصراع المسلح بين هذه القوى كما حدث في الحربين العالميتين، لأن الولايات المتحدة قد فرضت وصايتها على الدول الاستعمارية القديمة في أوروبا. لقد تحقق في النصف الثاني من القرن العشرين ما كان ينادي به آدم سميث في الربع الأخير من القرن الثامن عشر: فتح المستعمرات أمام منافسة القوى الاستعمارية كلها، وإنهاء احتكار قوة استعمارية واحدة لمستعمراتها. وهذا هو المعنى الحقيقي للبرالية الاقتصادية الآن؛ إنها ليبرالية بين الأقوياء وبعضهم، لا بين الأقوياء والضعفاء، إنها ليست ليبرالية لنا بل ليبرالية علينا.
السوق الحر والسوق العالمي:
آدم سميث هو الداعي إلى السوق الحر. لكن ماذا يعني السوق وماذا يعني كونه حرا؟ هل السوق المقصود هو سوق الخضار والفاكهة والبقالة الذي نذهب إليه كل يوم لشراء احتياجاتنا؟ هل هو سوق السلع الاستهلاكية هذا، أم أنه سوق العمل، أم سوق الأوراق المالية، أم السوق العالمي؟ الحقيقة أن السوق الذي يهدف آدم سميث أن يكون حرا هو السوق العالمي. كان السوق العالمي في عصر سميث في بداية نشوئه ولم يكن قد تطور مثلما هو الحال عليهالآن. لننظر الآن إلى السوق العالمي كما هو قائم بالفعل في عصرنا لنرى ما إذا كان حرا أم لا.
إن السوق الحر الذي تصوره آدم سميث هو في حقيقته قائم على نموذج السوق المحلي الموجود في كل مدينة على الرغم من أنه كان يهدف بدعوته السوق العالمي. لقد أسس تصوره عن السوق الحر على سوق السلع الاستهلاكية الذي يسد حاجات بشرية حقيقية، وكان يهدف من دعوته أن يكون السوق العالمي حرا أن تؤدي حريته هذه إلى توافر السلع الأساسية بأسعار رخيصة في متناول الجميع، إذ كان يعتقد أن كل سوق يجب في النهاية أن يصل إلى نقطة نهاية وهي المستهلك على الرغم من تعدد الأيادي التي تنتقل بينها السلع؛ فعلى الرغم من طول الدوران التجاري للسلع إلا أنها يجب أن تنتهي إلى محطة وصول نهائية هي المستهلك الأخير. لكن السوق العالمي الآن يختلف عن السوق الذي ينتهي بالسلع الاستهلاكية الذي وصفه سميث.
إن السوق العالمي هو السوق الذي تتحكم به الشركات عابرة القوميات والقارات والاحتكارات العالمية، السوق العالمي للأوراق المالية الذي تسيطر عليه المؤسسات المالية لرأس المال الدولي: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. هذا السوق لا ينتهي بالسلع الاستهلاكية، بل يبدأ بالمال وينتهي إلى المال، المال الزائد بالطبع؛ وتتمثل وظيفته الأساسية في إنتاج المزيد من النقود عن طريق النقود بصرف النظر عن الطريقة التي تزداد بها النقود. إن المستثمر في السوق المحلي الاستهلاكي هو المنتج المباشر الذي يوظف رأسماله الشخصي الذي تحصل عليه من أرباح إنتاج سابق في إنتاج منتجات يصنعها بنفسه أو يشرف بنفسه على تصنيعها، أما المستثمر في السوق العالمي فهو صاحب النقود الذي لا ينشغل في أي عمل إنتاجي بل يستخدم نقوده لكسب المزيد من النقود، سواء عبر المضاربة في البورصة أو التسليف بالفوائد، وهي كلها ممارسات تشبه لعب القمار والربا والمراهنة على الخيول في سباقات الخيول. والمُنتَج في السوق الاستهلاكي المحلي دائما ما يكون سلعة استهلاكية، أما المنتج في السوق العالمي فهو أي سلعة تحقق ربحا، وهو غالبا سلعة تدخل في إنتاجها تكنولوجيا عالية وتحمل علامة تجارية شهيرة. والعمل المتضمن في إنتاج السلع المباعة في السوق الحر هو عمل مباشر من قبل أولئك الذين يبيعون السلعة مباشرة، فالمنتج هو البائع المباشر للمستهلك الأخير دون وسائط بينهما، أما العمل المتضمن في إنتاج سلع السوق العالمي فهو عمل مأجور، عمل آخرين غير الذين يملكون رأس المال. وأسلوب العمل المنتج لسلعة السوق الحر هو العمل الماهر، الذي غالبا ما يكون يدويا، في حين أن أسلوب العمل في سلعة السوق العالمي هو عمل الآلة عالية التكنولوجيا. والبائع لسلعة السوق الحر هو منتجها المباشر أو شركاؤه المباشرون، أما البائع لسلعة السوق العالمي فهو مؤسسات تجارية أخرى غير تلك التي أنتجت السلعة. والمشتري في السوق الحر هم الأفراد، أما المشتري في السوق العالمي فهو أسواق أخرى، الأسواق المحلية في كل دولة والمقصود أنها حرة. ومعلومات الإنتاج والتسويق في السوق الحر هي المعرفة الشخصية للمنتج والبائع والشاري المباشرين والمتاحة بينهم في شفافية، في حين أن معلومات الإنتاج والتسويق في السوق العالمي ملك لمؤسسات الدعاية والتسويق. ووسيط التبادل في السوق الحر هو النقد السائل، في حين أنه في السوق العالمي هو التعامل الرقمي مع حسابات رقمية على شاشات الكومبيوتر Digital Transactionsعن طريق الإنترنت. والسعر في السوق الحر يتحدد عن طريق الاتفاق بين البائع والشاري حيث يسود قانون العرض والطلب، في حين أن السعر في السوق العالمي تحدده القرارات السيادية لمجالس إدارات الشركات الاحتكارية وبذلك تلغي آليات تحديد الأسعار عن طريق السوق الحر. والذي يحصل على القيمة الزائدة والربح في السوق الحر هو المنتج نفسه، في حين يحصل عليها حملة الأسهم غير المنشغلين بأي عمل إنتاجي من جهة ومجالس الإدارات من جهة أخرى.
ليس السوق الحر تجمعا للمستثمرين الذين لا يتقيدون بحدود قومية ويسعون وراء ربح المزيد من النقود لا إنتاج المزيد من السلع، وهو ليس محكوما بالاحتكارات العالمية؛ والطلب فيه ليس مصطنعا ومصنوعا من قبل مجالس إدارات الاحتكارات. والسوق الحر هو المرتبط بمجتمعه والمنتجون فيه هم أعضاء هذا المجتمع نفسه، وليس هو السوق الذي يقع خارج المجتمع ويحدث تغييرات جذرية على العلاقات الاجتماعية فيه، والمنتجون الذين يبيعون منتجاتهم فيه هم أعضاء المجتمع نفسه، وليسوا مستثمرين يأتون من خارجه يفرضون عليه مفهومهم الخاص عن حرية السوق، والذي يعني حريتهم هم في الاستفادة من إمكانيات المجتمع في الطلب وفي العمالة. ولا يعيد السوق الحر تشكيل المجتمع الذي يمارس فيه نشاطاته ولا يغير من العلاقات الاجتماعية فيه، أما السوق العالمي للاحتكارات فيغير من طبيعة بناء المجتمعات التي يعمل بها كي تستجيب لمتطلباته لمزيد من الربح النقدي. وليست هناك قوة وحيدة تتحكم في الإنتاج والتوزيع في السوق الحر وتسيطر عليه، بعكس السوق العالمي الذي ليس حرا أبدا لخضوعه لإملاءات الاحتكارات. وفي السوق الحر لا يتحقق الربح إلا بإنتاج سلع حقيقية تشبع حاجات حقيقية، وليس فيه مستثمر يولد المال من المال كهدف في حد ذاته عن طريق البورصات والمعاملات النقدية والمضاربة واحتكار الإنتاج المستقبلي والبيع المستقبلي لكل ما يمكن أن ينتج ويباع. ليس هناك أحد يحقق ربحا في السوق الحر ما لم يكن منتجا حقيقيا. وكان ظهور السوق الحر تقدما في سيطرة المجتمع على ذاته عندما تخلص من سيطرة الملوك والإقطاع، وكان أيضا تقدما للديمقراطية بإتاحته الحرية للأفراد كي ينتجوا ويبيعوا ويشتروا دون سلطة تحدد ما يجب أن ينتج ويباع ويشترى وما لا يجب. ولم يكن المال فيه وسيلة لإخضاع الآخرين وتحويلهم إلى وسائل في خدمة جني المزيد من المال بل كان مجرد وسيلة للتبادل. والملاحظ أن كل خصائص نموذج السوق الحر يتم إلحاقها بالسوق العالمي الاحتكاري الذي ينفي هذه الخصائص بالفعل، لكنه يدعيها كغطاء أيديولوجي لممارساته كإضفاء للشرعية عليه.
و بالتالى يتم النظر الى المؤسسات الاحتكارية على انها اشخاص اعتبارية مثل الافراد الاحرار ، وينظر الى توليد المال من المال لصالح حملة اسهم غير معروفين على انه استثمار ويقدم على أنه تنمية وتقديم خدمة للمجتمع. وينظر الى المستهلكين الخاضعين للسوق الاحتكارى على انهم افراد ذوو اختيار حر، وتقدم المنتجات التَرَفية غير اللازمة على انها سلع اساسية تلبى احتياجات حقيقية ، و يقدم مديرو المؤسسات الاحتكارية على انهم رواد صناعة و اصدقاء للشعب ومواطنون من الدرجة الاولى .
ان مفهوم السوق الحر كما رأينا يتناقض تماما مع الممارسات الفعلية للسوق العالمى، وبالتالى فالليبرالية الاقتصادية التى دعا اليها آدم سميث ليست فى ظل هذا الوضع سوى فكرة مثالية غير متحققة ، و إذا ادعى أحد أنها متحققة فهو بذلك يرسم صورة أيديولوجية زائفة لواقع هو على النقيض تماما منها.

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://mostaetud.ahlamontada.net
 
المدرسة الكلاسكية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى طلاب مستغانم :: علوم الاقتصاد و التجارة :: منتدى علوم اقتصادية-
انتقل الى: